الشيخ محمد رشيد رضا

267

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فهذا قول يتضمن إنكار أن يكون أمرهم باتخاذه وأمه إلهين واثبات ضده ، أي ما قلت لهم في شأن الايمان وأصل الدين وأساسه الذي يبنى عليه غيره ولا يعتد بغيره دونه ، الا ما أمرتني بالتزامه اعتقادا وتبليغا وهو الامر بعبادتك وحدك ، مع التصريح بأنك ربي وربهم ، وانني عبد من عبادك مثلهم ، أي الا أنك خصصتني بالرسالة إليهم . فقوله « أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ » تفسير للمأمور به ، وانما قال : ما قلت لهم الا ما أمرتني به ، ولم يقل ما أمرتهم الا بما أمرتني به ، أدبا مع اللّه تعالى ومراعاة لما ورد في السؤال « أَ أَنْتَ قُلْتَ » وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ أي وكنت قائما عليهم أراقبهم وأشهد على ما يقولون ويفعلون فأقر الحق وأنكر الباطل مدة دوام وجودي بينهم فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ أي فلما توفيتني إليك كنت أنت المراقب لهم وحدك إذ انتهت مدة رسالتي فيهم ومراقبتي لهم وشهادتي عليهم ، فلا أشهد على ما وقع منهم وأنا لست فيهم ، وأنت شهيد عليهم وشهيد بيني وبينهم ، بما انك شهيد على كل شيء في ملكك ، وأنت أكبر شهادة ممن تجعلهم شهداء من خلقك ، ( قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً ؟ قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ) وقد مر في هذه السورة ما يزكي تبرئة عيسى عليه السّلام لنفسه ويؤيد قوله هنا ، وذلك قوله تعالى ( 75 لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا : إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ - وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ، إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ) فجملة « وقال المسيح يا بني إسرائيل » الخ حالية أي قالوا قولهم ذلك والحال ان المسيح أمرهم بضده ، وهو أن يعبدوا اللّه وحده وفي أناجيلهم من بقايا التوحيد الذي أمرهم به ما رواه يوحنا في إنجيله عنه وهو قوله عليه السّلام ( 7 : 3 وهذه هي الحياة الأبدية ان يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك . ويسوع المسيح الذي أرسلته ) وفي إنجيل برنابا من تجريد التوحيد والاستدلال عليه بالآيات البينات ما هو جدير بأن يكون وحيا صحيحا من اللّه تعالى